ما هي أنشطة الدعم المكثف بالمدرسة الرائدة؟
تُعد أنشطة الدعم المكثف بالمدرسة الرائدة أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها ورش “مدرسة الريادة” بالمنظومة التربوية المغربية، وهي مجموعة من الأنشطة التربوية الموجهة للمتعلمين والمتعلمات الذين يعانون من تعثرات في التعلمات الأساس، خاصة في مادتي اللغة العربية والرياضيات، وذلك وفق مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب TaRL (Teaching at the Right Level). تقوم هذه المقاربة على فكرة بسيطة لكنها فعالة: تجميع المتعلمين ليس حسب أعمارهم أو مستوياتهم الدراسية، بل حسب مستوى تحكمهم الفعلي في التعلمات الأساس، ثم تقديم أنشطة مكيفة تستجيب لحاجيات كل فئة على حدة.
إذا كنت أستاذًا أو أستاذة تبحث عن فهم دقيق لكيفية تخطيط وتنزيل هذه الأنشطة، أو وليًا لأمر تلميذ يتساءل عن سبب اعتماد هذه المقاربة الجديدة في مدرسة ابنه أو ابنته، فهذا المقال يشرح لك بالتفصيل كل ما يخص هذه المقاربة: من التموضع إلى التجميع، مرورًا بالتخطيط والتنزيل، وصولًا إلى التقويم.
لماذا اعتمدت المدرسة المغربية مقاربة TaRL؟
تعاني بعض الفصول الدراسية من تفاوت كبير بين المتعلمين في نفس المستوى الدراسي؛ فقد نجد في نفس القسم متعلمين يتحكمون جيدًا في القراءة والحساب، وآخرين لا يزالون يجدون صعوبة في تمييز الحروف أو إجراء عمليات حسابية بسيطة. التدريس الجماعي التقليدي الذي يفترض تجانس المستوى بين جميع أفراد القسم لا يستجيب لهذا التفاوت، مما يجعل بعض المتعلمين يتراكم لديهم التعثر سنة بعد أخرى.
جاءت مقاربة TaRL كحل عملي لهذه الإشكالية، إذ لا تركز على “ماذا يجب أن يتعلمه المتعلم حسب مستواه الدراسي”، بل على “أين هو فعليًا في تعلماته”، ثم تبني الدعم انطلاقًا من هذه النقطة بالذات.
💡 تذكّر: مقاربة TaRL لا تعوض المنهاج الدراسي الرسمي، بل تأتي كآلية إضافية لمعالجة الفجوات التعلمية في التعلمات الأساس، خصوصًا في اللغة العربية والرياضيات، وأحيانًا اللغة الفرنسية.
روائز التموضع: نقطة الانطلاق في مقاربة TaRL
قبل الشروع في أي نشاط دعم، تُجرى للمتعلمين والمتعلمات روائز التموضع، وهي اختبارات تشخيصية بسيطة وسريعة تهدف إلى تحديد المستوى الفعلي لكل متعلم في مهارات محددة، مثل:
- التعرف على الحروف وقراءة الكلمات والجمل في اللغة العربية.
- فهم المقروء والتعبير الشفهي.
- التعرف على الأعداد وإجراء العمليات الحسابية الأساسية في الرياضيات.
- حل المسائل البسيطة المرتبطة بالحياة اليومية.
تُجرى هذه الروائز بشكل فردي غالبًا، ويسجل الأستاذ أو الأستاذة نتائج كل متعلم في شبكة خاصة تُستعمل لاحقًا في عملية التجميع. الهدف من هذه الروائز ليس “التنقيط” أو “الحكم” على المتعلم، بل تحديد نقطة انطلاقه الحقيقية في التعلم.
كيف يتم تجميع المتعلمين حسب مستوى التحكم؟
بعد استخراج نتائج روائز التموضع، تُصنف الفئة المستهدفة (غالبًا من المستوى الثالث إلى السادس ابتدائي) إلى مجموعات متجانسة حسب مستوى التحكم في المهارة المستهدفة، وليس حسب القسم أو المستوى الدراسي الأصلي. عادة ما تتوزع المستويات إلى فئات تتدرج من عدم التمكن من التعرف على الحروف أو الأعداد، وصولًا إلى التحكم الجيد في القراءة أو حل المسائل.
هذا التجميع يسمح بتشكيل أفواج دعم مكثف صغيرة نسبيًا، بحيث يجد كل متعلم نفسه في مجموعة تتناسب مع مستواه الفعلي، وليس مع سنه الدراسية، مما يجعل الأنشطة أكثر ملاءمة وفعالية.
لماذا لا يتم تجميع المتعلمين حسب القسم الأصلي؟
لأن الهدف الأساسي من الدعم المكثف هو سد الفجوة التعلمية بأسرع وأنجع طريقة ممكنة، والتدريس لمجموعة متجانسة المستوى يسمح للأستاذ بالتركيز على المهارة الدقيقة التي تنقص هذه المجموعة تحديدًا، بدل تكرار درس عام قد لا يناسب الجميع.
مراحل تنزيل الدعم المكثف بالمدرسة الرائدة
يمر تنزيل أنشطة الدعم المكثف عبر مجموعة من المراحل المتكاملة والمتسلسلة، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
- مرحلة التموضع: إجراء روائز تشخيصية لتحديد المستوى الفعلي لكل متعلم.
- مرحلة التجميع: توزيع المتعلمين على أفواج متجانسة حسب مستوى التحكم.
- مرحلة التخطيط: إعداد حصص وأنشطة الدعم بناء على حاجيات كل فوج.
- مرحلة التنفيذ: تقديم الأنشطة ضمن حصص زمنية مخصصة لذلك، عادة بشكل يومي أو أسبوعي حسب البرمجة المعتمدة في كل مؤسسة.
- مرحلة التتبع والتقويم: قياس مدى تطور المتعلمين وإعادة التموضع بشكل دوري لتحديث الأفواج عند الحاجة.
هذا التسلسل يجعل من الدعم المكثف مسارًا ديناميكيًا وليس إجراءً ثابتًا؛ فالمتعلم الذي يتقدم في مستواه يمكن أن ينتقل إلى فوج أعلى بعد إعادة التموضع.
ما محتوى عدة الدعم المكثف للمؤسسات الرائدة؟
تتوفر المؤسسات المصنفة ضمن برنامج “الريادة” على عدة خاصة بالدعم المكثف، تشمل غالبًا:
- دلائل مرجعية توضح للأستاذ فلسفة المقاربة وكيفية تطبيقها.
- شبكات روائز التموضع الخاصة بكل مستوى ومادة.
- جذاذات ونماذج أنشطة مصنفة حسب مستوى التحكم (وليس حسب المستوى الدراسي).
- أدوات لتتبع تطور كل متعلم عبر الزمن.
تختلف تفاصيل هذه العدة قليلًا من مؤسسة لأخرى حسب توجيهات الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية، لكن الفلسفة العامة والمراحل الأساسية تبقى موحدة في جميع المدارس الرائدة.
كيف تُخطَّط حصص الدعم المكثف؟
يعتمد تخطيط حصص الدعم المكثف على مبدأ أساسي: الانطلاق من مستوى المتعلم الفعلي لا من المقرر الرسمي للمستوى الدراسي. وعمليًا، يراعي الأستاذ عند التخطيط النقاط التالية:
- تحديد المهارة الدقيقة التي يحتاجها الفوج (مثلًا: تمييز الحروف المتشابهة رسمًا، أو الطرح مع الاستلاف).
- اختيار أنشطة تفاعلية وقصيرة تناسب حصة زمنية محدودة (غالبًا بين 30 و45 دقيقة).
- تنويع الوسائل: بطاقات، ألعاب تعليمية، سبورة، أوراق عمل بسيطة.
- إشراك المتعلمين بشكل فردي أو في مجموعات صغيرة داخل نفس الفوج لضمان تفاعل الجميع.
- تخصيص لحظة قصيرة للتقويم الفوري في نهاية كل حصة للتأكد من استيعاب المهارة المستهدفة.
📌 ملاحظة مهمة: الجذاذات المستعملة في الدعم المكثف تختلف عن الجذاذات المعتادة في الحصص النظامية؛ فهي أقصر وأكثر تركيزًا على مهارة واحدة محددة بدقة.
أنشطة اللغة العربية وفق مقاربة TaRL
تركز أنشطة اللغة العربية في الدعم المكثف على المهارات الأساس التي تُبنى عليها بقية التعلمات، ومنها:
- التعرف على الحروف الهجائية وأصواتها.
- الربط بين الحرف المكتوب والصوت المنطوق.
- قراءة المقاطع والكلمات البسيطة ثم الجمل القصيرة.
- فهم المقروء من خلال نصوص قصيرة مناسبة لمستوى الفوج.
- التعبير الشفهي البسيط انطلاقًا من صور أو مواقف يومية.
يتدرج الأستاذ مع كل فوج انطلاقًا من نقطة تحكمه الفعلية، فمتعلم لا يميز الحروف بعد لا يُطلب منه قراءة نص متكامل، بل يبدأ بأنشطة التمييز البصري والسمعي للحروف أولًا.
أنشطة الرياضيات وفق مقاربة TaRL
أما في مادة الرياضيات، فتتمحور الأنشطة حول المهارات العددية والحسابية الأساسية، مثل:
- التعرف على الأعداد وترتيبها ومقارنتها.
- العد والعد التنازلي.
- إجراء عمليات الجمع والطرح البسيطة، ثم الضرب والقسمة حسب مستوى الفوج.
- حل مسائل حسابية بسيطة مرتبطة بوضعيات من الحياة اليومية.
يُعتمد في هذه الأنشطة على وسائل ملموسة قدر الإمكان (مكعبات، بطاقات أعداد، رسوم) لتسهيل الفهم قبل الانتقال إلى التجريد الرمزي.
أنشطة اللغة الفرنسية وفق مقاربة TaRL
في بعض المؤسسات الرائدة، تُدمج مادة اللغة الفرنسية أيضًا ضمن برنامج الدعم المكثف، خاصة في المستويات التي تُدرّس فيها هذه اللغة. وتشمل الأنشطة عادة:
- التعرف على الحروف اللاتينية وأصواتها.
- قراءة كلمات وجمل بسيطة باللغة الفرنسية.
- فهم مقروء بسيط عبر نصوص قصيرة.
- تنمية الرصيد اللغوي الأساسي المرتبط بالحياة اليومية.
وتخضع هذه الأنشطة لنفس منطق التجميع حسب مستوى التحكم، بحيث يستفيد كل متعلم من دعم يناسب فعلًا نقطة ضعفه في اللغة الفرنسية.
كيف يتم تقويم أثر الدعم المكثف؟
لا تكتمل مقاربة TaRL دون آلية واضحة لتقويم الأثر، إذ لا يكفي تقديم الأنشطة، بل يجب التأكد من أنها أحدثت تقدمًا حقيقيًا لدى المتعلمين. يتم ذلك عبر:
- إعادة إجراء روائز مماثلة لروائز التموضع الأولى بعد فترة زمنية محددة (غالبًا كل أسابيع قليلة) لقياس التطور.
- مقارنة نتائج كل متعلم بين التموضع الأول وإعادة التموضع.
- إعادة توزيع المتعلمين على الأفواج بناء على النتائج الجديدة، بحيث ينتقل من تجاوز تعثره إلى فوج أعلى.
- رفع تقارير دورية إلى الإدارة التربوية والمديرية الإقليمية حول نسب التقدم داخل كل مؤسسة.
هذا التقويم المستمر هو ما يميز مقاربة TaRL عن برامج الدعم التقليدية التي كانت تُقدَّم أحيانًا دون قياس دقيق لأثرها الفعلي على تعلمات التلاميذ.
الفرق بين الدعم المكثف وحصص الدعم التربوي التقليدية
يخلط بعض الأولياء والمتعلمين بين الدعم المكثف وفق TaRL وحصص الدعم التربوي المعتادة التي كانت تُقدم سابقًا. الفرق الجوهري بينهما يمكن توضيحه كالتالي:
| وجه المقارنة | الدعم التربوي التقليدي | الدعم المكثف وفق TaRL |
|---|---|---|
| معيار التجميع | حسب القسم أو المستوى الدراسي | حسب مستوى التحكم الفعلي في المهارة |
| الأدوات المعتمدة | غالبًا تكرار الدرس بنفس الطريقة | روائز تموضع دقيقة وأنشطة مكيفة |
| التقويم | غير منتظم في الغالب | دوري ومنظم لقياس الأثر |
| مرونة الفوج | ثابت طيلة السنة غالبًا | قابل للتغيير بعد كل إعادة تموضع |
أسئلة شائعة حول أنشطة الدعم المكثف وفق TaRL
هل يشمل الدعم المكثف جميع المتعلمين أم فقط المتعثرين؟
تُخصص أنشطة الدعم المكثف بالأساس للمتعلمين الذين تُظهر روائز التموضع أنهم لم يبلغوا بعد المستوى المطلوب في المهارات الأساس، لكن الآلية تبقى قابلة للتطبيق على مجموع المتعلمين المعنيين بالمستويات المستهدفة داخل المؤسسة.
هل تُستبدل الحصص الدراسية العادية بحصص الدعم المكثف؟
لا، فأنشطة الدعم المكثف تُقدَّم ضمن حصص إضافية أو زمن مخصص لها داخل استعمال الزمن، ولا تُلغي الحصص النظامية للمنهاج الدراسي الرسمي.
هل يبقى المتعلم في نفس الفوج طيلة السنة الدراسية؟
لا، فمن خصائص مقاربة TaRL أن الأفواج ليست ثابتة؛ إذ تُعاد عملية التموضع بشكل دوري، وينتقل المتعلم إلى فوج يناسب مستواه الجديد كلما تحسن تحكمه في المهارات المستهدفة.
لمزيد من الدروس والمحتوى التربوي الموجه لتلاميذ المستوى الابتدائي، يمكنكم الاطلاع على دروس المستوى الابتدائي للاستفادة من محتوى تعليمي شامل يدعم مسار تعلم أبنائكم.




